الشيخ محمد حسن الحبيب | رسالة الرحمة      حسن الظن بالله      ماذا بعد أيها الشباب؟      من علامات الساعة      الترابط الأسري وأثره على الأبناء      يوم الحسين      حديث اليوم      البصائر | الأمة الإسلامية والانبعاث الجديد      فضل الحج      الشيخ محمد حسن الحبيب: بين الإنسان وأمنه‎      إنا لله وإنا إليه راجعون      حسن الظن بالله      روافد القطيعة مع الآخر      حوار منتدى البصائر | الحراك الجماهيري .. قراءة في مستقبل الإصلاح والتغيير في الأمة      صلاة الآيات   

قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


احصائيات

المتواجدون الآن: 7
زوار الموقع 405462

دروس
سورة النور.. بصائر وأحكام -4
محرر | 2010-03-29| Hits [656]

أحكام اللعان

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)﴾. سورة النور

  • معاني الكلمات

يَرْمُونَ: يقذفون؛ أي يتهمون أزواجهم بالفجور والزنا.

وَيَدْرَأُ: يدفع حد الزنا الذي ثبت بشهاداته الأربع.

اَلْعَذَاب: حد الزنا.

السورة المودة والرحمة عماد البناء الأسري، والركيزة الأساس التي ينبغي أن ترتكز عليها العلاقة بين الزوجين، ومن خلالها تنشأ الألفة وحسن العشرة والثقة والحفظ ... وغيرها.

ولكن مع اختلال هذه العلاقة بالشك أو الريبة أو الخيانة فإن البناء الأسري يدخل في حالة حرجة قد تودي بذلك البنيان إلى الهاوية أو تحوله من كونه لباسا وحرثا وأنسا إلى جحيم لظى تلهب القلوب وتأكل الأخضر واليابس.

ويزيد الأمر تعقيدا خيانة الزوجة أو رميها بالخيانة حيث يتعذر في الغالب الأدلة التي تثبت الخيانة أو تنفيها.

فجاءت هذه الآيات لتضع حدا ينهي حالة العناء والشقاء للبيت الزوجي من خلال استبدال الشهود الأربعة الذين بهم يثبت الزنا بشهادات أربع من الزوج، وفي المقابل درء ثبوت الزنا وما يترتب عليه من عقوبة بأربع شهادات من الزوجة.

ومن الواضح أن هذا الاستبدال كما أنه يتيح الفرصة للطرفين بالسوية إثباتا ونفيا فإنه يعتمد الضغط النفسي وإيقاظ الضمير واستحضار الجانب الإيماني للوصول إلى الحقيقة نفيا أو إثباتا.

  • سبب النزول

ذكروا في سبب نزول آيات اللعان روايات تتحد في المعنى وتختلف في شخصيات الواقعة، ونقتصر هنا على ذكر اثنتين منها:

الأولى: ما ذكره علي بن إبراهيم القمي في تفسيره حيث قال: وكان سبب ذلك انه لما رجع رسول الله (ص) من غزوة تبوك جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلاني، وكان من الأنصار، فقال: يا رسول الله؛ إن امرأتي زنى بها شريك بن السمحا (1) وهي منه حامل، فأعرض عنه رسول الله (ص). فأعاد عليه القول، فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات، فدخل رسول الله (ص) منزله فنزلت عليه آية اللعان، فخرج رسول الله (ص) وصلى بالناس العصر وقال لعويمر: ائتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنا، فجاء إليها، فقال لها: رسول الله (ص) يدعوك وكانت في شرف من قومها، فجاء معها جماعة فلما دخلت المسجد قال رسول الله (ص) لعويمر تقدما إلى المنبر والتعنا، قال فكيف أصنع؟ فقال تقدم وقل: أشهد بالله أني إذاً لمن الصادقين فيما رميتها به، قال فتقدم وقالها, فقال رسول الله (ص) أعدها فأعادها ثم قال أعدها حتى فعل ذلك أربع مرات، فقال له في الخامسة عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به فقال ﴿الْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به ثم قال رسول الله (ص): إن اللعنة لموجبة إن كنت كاذباً ثم قال له تنح فتنحى عنه، ثم قال لزوجته تشهدين كما شهد وإلا أقمت عليك حد الله، فنظرت في وجوه قومها فقالت لا أسود هذه الوجوه في هذه العشية، فتقدمت إلى المنبر وقالت: أشهد بالله إن عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما رماني به، فقال لها رسول الله (ص) أعيديها فأعادتها حتى أعادتها أربع مرات فقال لها رسول الله (ص) العني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين فيما رماك به فقالت: في الخامسة ﴿الْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماني به فقال لها رسول الله (ص): ويلك ويلك إنها موجبة إن كنت كاذبة. ثم قال رسول الله (ص) لزوجها اذهب فلا تحل لك أبداً. قال: يا رسول الله فمالي الذي أعطيتها؟ قال إن كنت كاذباً فهو أبعد لك منه وإن كنت صادقاً فهو لها بما استحللت من فرجها. (2)

الثانية: ما أورده الواحدي عن أبي عثمان سعيد بن محمد بن المؤذن قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيرى قال: أخبرنا الحسن ابن سفيان قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله (ص): ألا تسمعون يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله إنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله، ولكن قد تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فو الله إني لا آتى بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهيجه حتى أصبح وغدا على رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشياً فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله (ص) ما جاء به واشتد عليه، فقال سعد بن عبادة: الآن يضرب رسول الله (ص) هلال بن أميه (3) ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً، فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما قد اشتد عليك مما جئتك به، فو الله يعلم إني لصادق، فو الله إن رسول الله (ص) يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي، وكان إذا نزل عليه عرفوا ذلك في تربد جلده، فأمسكـوا عنه حتى فـرغ من الوحي، فنزلـت ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ الآيات كلها، فسرى عن رسول الله (ص) فقال أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً، فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي... فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلتعن، فقال رسول الله (ص) مه فلعنت. (4)

  • معنى اللعان

اللعان : مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد، واشتق من دعاء الرجل باللعن لا من دعاء المرأة (بالغضب)لتقدم اللعن على الغضب في الآيات. ولعل السبب في تسميته كذلك لأن المتلاعنين يفترقان بعده.

وشرعا: مباهلة بين الزوجين على وجه مخصوص (5). أو: هو المباهلة بين الزوجين في إزالة حد، أو نفي ولد بلفظ مخصوص عند الحاكم. (6)

  • ثبوت اللعان

1. تقرر الآية المباركة أن ثبوت اللعان لا يكون إلا برمي الزوجة بالزنا أو ما يؤول إليه كنفي الولد إن رجع ذلك إلى قذف أمه بالزنا، ولا يكون اللعان إلا إذا ادعى الرؤية بنفسه ولم يكن لديه من الشهود ما يثبت دعواه، فإن كان له أربعة شهداء أو ثلاثة وهو رابعهم فلا يكون اللعان بل يثبت الحد عليها.

2. تذكر الآية مسألة الشهادة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ لبيان أن اتهام الزوجة لا بد وأن يكون بالمعاينة لا بالظن والحدس فإن كان كذلك يحد الزوج حد القذف لأنه والحال هذه قد قذف زوجته.

  • صورة اللعان

1. مع الرمي وثبوت الملاعنة يستعاض عن الشهود بأربع شهادات منه كما تنص الآية المباركة : ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ويضاف إليها خامسة كما في الآية الأخرى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. وعليه تكون صورة اللعان هكذا: يشهد الزوج القاذف أربع شهادات بالله تعالى أنه صادق فيما رمى زوجته به، فيقول مثلاً: ﴿أشهد بالله أني صادق فيما رميتها به﴾ يكررها أربع مرات، ثم في المرة الخامسة يجعل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فيقول مثلاً: ﴿لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به﴾. وبهذا يثبت حد الزنا على الزوجة.

2. اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله سبحانه، ونظرا لأهمية الأسرة ومكانتها في بناء المجتمع فقد عد العبث بها بالقذف والتهمة طريقا يخرج الإنسان من دائرة الرحمة الربانية ويدخله في أتون الانحطاط والتردي.

3. ربما يتساهل البعض في أمر الكذب ولكنه الطريق إلى انهيار الأسرة ومنها إلى الخروج عن رحمة الله.

  • التخلص من الحد

1. تتساوى المرأة والرجل في التهمة إثباتا ونفيا فكما أن إثبات دعوى الزوج عليها يكون بشهادة أربع شهادات منه، كذلك هي لها الحق في أن تدفع عن نفسها تلك التهمة بشهادات أربع منها.

2. صيغة رد التهمة والتخلص من ثبوت حد الزنا على الزوجة المقذوفة يكون بشهادتها أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، فتقول مثلاً: أشهد بالله أنه كاذب فيما رماني به، ثم في الخامسة تجعل غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فتقول مثلاً: غضب الله علي إن كان صادقاً فيما رماني به.

  • فضل الله

1. تبدأ الآية العاشرة من هذه السورة بقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾  من دون أن تذكر جواب ﴿لَوْلا وذلك لتعظيم العقوبة وتفخيمها فعلى السامع أن يجول بفكره ويتصور شناعة الزنا أو القذف وما يترتب على أي منهما من آثار وخيمة على الأسرة وأفرادها دنيا وآخرة.

2. القانون المنجي للإنسان وكيانه، والذي يعالج الإشكاليات التي تقف أمام سعادته، هو فضل من الله ومنة منه سبحانه فإذا ما التزم بها العبد صار إلى السعادة والأمن والطمأنينة.

3. الرحمة الإلهية هي القاعدة الأساس التي تتكأ عليها تفاصيل الأحكام حتى تلك المعنونة بالعذاب والشدة والغلظة تنطلق من الرحمة بلحاظ الأول والنتائج.

4. تختم الآية بصفة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ لإيحاء أن الصدق المصاحب للتوبة وإن اقترن بالعقوبة في الدنيا هو المنجي، وليس الكذب، فالنجاة كل النجاة بالتوبة إلى الله واتباع ما أمر به الحكيم المتعال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شريك المعروف بأمه سحماء، واسم أبيه عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان البلوي حليف الأنصار.
(2) تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي؛ ج 2، ص 98.
(3) هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاري شهد بدراً وما بعدها.
(4) أسباب نزول الآيات، الواحدي النيسابوري؛ ص 212.
(5) جواهر الكلام، الشيخ الجواهري؛ ج 34، ص 2.
(6) شرح اللمعة، الشهيد الثاني؛ ج 6، ص 181.

من نفحات العصمة
صورة عشوائية
سماحة الشيخ محمد حسن الحبيب ملقيًا خطبة عيد الفطر المبارك
أصدقاء الفيسبوك