1. ورد مصطلح "التغيير" كثيرا في خطاب المصلحين وأدبياتهم، وعد هذا المصطلح مصطلحا قرآنيا يدعوا إلى استبدال حال أو واقع سيء بآخر حسن، وربما أخذ هذا اللفظ من الآية 11 من سورة الرعد، وآية 53 من سورة الأنفال.
قال تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ سورة الرعد، آية 11.
قال تعالى ﴿بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة الأنفال، آية 53.
قال السيد المرجع المدرسي: إن الإنسان هو الذي يصنع واقعه بنفسه ولا نشك أن للتصرفات والسلوك الإنساني دخلا في صنع الظروف المؤثرة فيه، فباستطاعتك أن تغير نفسك، وإذا غيرت نفسك فإنك آنئذ تغير ما حولك، وهكذا الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية، وما مرت به بالأمس إنما كان بسبب نفسي، فإذا لا يجب أن نلقي اللوم على الحكام وحدهم، بل يجب أن نراجع حساباتنا، ونمارس النقد الذاتي الصريح بحق أنفسنا... وهذا هو العلاج الأمثل لذلك قال ربنا: ﴿اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ..... (11)﴾. (7)
وهذا الكلام متين جدا إلا أن سياق الآية لا يساعد عليه، وكذلك الآية الأخرى، فالتغيير الوارد في كلتا الآيتين إنما يراد منه التغيير من الحال الحسن إلى الحال السيئ، دون العكس كما هو واضح.
نعم يمكن القول بانعكاس التغير على واقع الإنسان في الحالين بملاحظة تجارب الأمم والتي ورد كثير من المرتبط بها في القرآن الكريم وما ورد في السنة النبوية المطهرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ﴿أَيُّمَا رَجُلٍ رَأَى فِي مَنْزِلِهِ شَيْئاً مِنَ الْفُجُورِ فَلَمْ يُغَيِّرْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَيْرٍ أَبْيَضَ فَيَظَلُّ بِبَابِهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَيَقُولُ لَهُ كُلَّمَا دَخَلَ وَخَرَجَ غَيِّرْ غَيِّرْ فَإِنْ غَيَّرَ وَإِلا مَسَحَ بِجَنَاحِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَإِنْ رَأَى حَسَناً لَمْ يَرَهُ حَسَناً وَإِنْ رَأَى قَبِيحاً لَمْ يُنْكِرْهُ﴾. (8)
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله في أدعية شهر رمضان: ﴿اللَّهُمَّ غَيِّرْ سُوءَ حَالِنَا بِحُسْنِ حَالِكَ ﴾. (9)
وعليه يمكن لنا اطلاق لفظ التغيير في الحالين؛ من السيئ إلى الحسن والعكس، وفي الحالة الأولى يراد منه الإصلاح؛ وهو: التحول في وضع معين غير ملائم عما كان عليه من قبل.
ودور العملية التربوية في هذا المجال هو التحفيز لإحداث التحول وتعاهد الإنسان للوصول به إلى الوضع الملائم واللائق به وفقا لإرادة الوحي.
2. يصطدم الإنسان في عملية التحول بجملة من المعوقات التي إذا استسلم لها فإنها تشل إرادته وتفني حياته، وتحوله من قوة فاعلة في المجتمع وطاقة حيوية قادرة على صناعة واقع أفضل إلى أداة تفسد المجتمع وتضر بالناس، وفي أحسن الظروف تحوله إلى محبط مليء بالسلبية والعقد لا يعنيه من أمر الدنيا إلا أنه يحيى ليموت.
والعملية التربوية تبحث في معوقات التغيير والتحول عند الإنسان وتعمل على إزالتها كي يتمكن هذا الإنسان من تفعيل طاقاته وامكاناته في تثبيت قيم الخير والصلاح في المجتمع.
قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ سورة الأعراف، آية 157.
والإصر في الأصل: الثِّقْل و الشَّد (10) وهنا في هذه الآية هو: الأمور التي تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات، وعن الوصول إلى الثوابات. (11)
قال السيد المرجع المدرسي: الإصر هو الثقل؛ والبشر يعيش في ذاته ثقل المادة، حيث يحن إلى ما في الحياة من زينة وينهار أمام شهوات النساء والثروات والمناصب ويضغط عليه واقع اليوم دون حقيقة المستقبل، وهكذا يصبح البشر إن لم يقصمه الله جزءا من الطبيعة، يتحرك حسب عواملها وتغيراتها . ورسالات الله تنقذ الإنسان من أصله وترفع عنه هذا الثقل المادي بتوجيهه إلى العالم الأعلى عالم الروحيات وعالم المستقبل القريب في الدنيا والمستقبل البعيد في الآخرة. (12)
والأغلال: جمع غل وهو ما يقيد به، فيسلب حريته ويمنعه من ممارسة دوره في الحياة.
وقد يكون ذلك بالقهر والسجن والنار، وقد يكون بسن القوانين التي من شأنها إعاقة حركة الإنسان نحو الفاعلية والتقدم.
وهذه الأغلال لا يتحمل وزرها على الدوام أربابها بل وفي كثير من الأحيان يكون المقيد بها شريك للمغل وذلك نتيجة لخوار النفس وضعفها أمام الأهواء والشهوات كالمال والجنس والشهرة وحب البقاء والمصالح ... وغيرها.
وهنا يأتي دور العملية التربوية في رفع ذلك الإصر وتلك الأغلال، فالرسالة " كما ترفع إصر البشر ترفع الأغلال الآتية من الإصر، مثل الأغلال الاجتماعية التي يفرضها النظام السياسي أو الاقتصادي الحاكم على المجتمع، والقوانين المعيقة للتقدم، والكبت والدكتاتورية والإرهاب الفكري الذي يمنع تفجير النشاط وتفتق المواهب. (13)
3. التغيير والإصلاح قد يفهم منه أنه موجه للمجتمع بمعنى إحداث تغيير في حال المجتمع، وهذا يمكن أن يتم مع تجاوز الإنسان "الفرد". وهذا صحيح ومسلم به من ناحية الحدوث إلا أنه لا يمكن الركون إليه والوثوق به في الإصلاح. نعم هو سيرة الباحثين عن السلطة والطامحين في التسلط على العباد.
وهذا لا يعني أن المجتمع بعيدا عن الاستهداف في عملية الإصلاح وإنما يعني أن اصلاح المجتمع إنما يكون بإصلاح لبناته وترميم مداميكه وحينها يكون التغيير في المجتمع أمرا صحيحا وسليما لأنه يرتكز على بنية متينة وسليمة.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن هذه العملية ينبغي أن يشترك فيها الجميع بما فيها الحكومات خصوصا وأن التحديات التي تطل علينا من كل حدب وصوب في زمن العولمة تستهدف الجميع وتهدد المجتمع والدولة من أماكن حساسة كالهوية والثقافة بل وحتى السياسة والاقتصاد.
فالإرهاب والطائفية والمخدرات والفساد والانحلال الخلقي والحروب وما تخلفه من أزمات اقتصادية وصحية ونفسية وغيرها كثير تدعونا للتعاون في إحداث تغيير في الإنسان من خلال عملية تربوية تفعل طاقاته لخدم المجتمع والأمة بدلا من أن يترك لعبث مفخخي العقول بالطائفية البغيضة والحقد الأسود فينتج منه ما يورث الندم، أو يترك لتجار المخدرات ومروجي الموت البطيء فيصبح مشلولا إلا من البحث عن المال – بكافة الوسائل بما فيها السطو والسرقة والقتل – لشراء السم الذي يسير به نحو الهاوية.
لذا ينبغي التفكير الجاد بتحرير محل النزاع كما يقال والتعاون الجاد فيما سواه كل بحسب موقعه ودوره وسلطاته.
4. الإنسان يستقبل الأفكار من وسائل عدة، من أهمها التعليم والمحاكاة والإعلام، وقد يستجيب لها وقد يرفضها، ومع الاستجابة تتحول إلى معتقد ديني أو مذهبي أو اجتماعي أو سياسي أو غير ذلك، وحين تتحول تلك الأفكار إلى معتقد فإن الإنسان سيقدم كل ما في وسعه من أجلها.
من هنا يمكن القول أن النقطة الأساس الذي ينبغي العمل عليها هي معالجة المعتقد لدى الإنسان، والمعالجة ينبغي أن تشمل بعدين أساسيين:
وهذا يعيدنا إلى النقطة التي أثرناها سابقا وهي التعاون بين المصلحين ومن يبتغي الإصلاح من حكومات الشعوب.